محمد بن علي الشوكاني

150

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الذين يقولون : إن الخلق هو المخلوق ، وإن أفعال العباد خلق الله ، فتكون هي فعل الله ، وهي مفعول الله ، فكما أنها خلقُهُ فهي مخلوقة ، وهؤلاء لا يقولون إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة ، ولكنهم مكتسبون لها ، وإذا طولبوا بالفرق بين الكسب ( 1 ) والفعل لم يذكروا فرقا معقولا ، ولهذا كان يقال عجائب الكلام [ ثلاثة ] ( 2 ) : أحوال أبي هاشم ( 3 ) ، وطفرة النظام ( 4 ) ،

--> ( 1 ) الكسب : وهو قول الأشاعرة . وقد ذكره ابن تيمية في مجموع فتاوى ( 8 / 388 ) : أن أفعال العباد خلق لله عز وجل وكسب للعبد . وقال في منهاج السنة ( 1 / 458 - 459 ) : - " . . . فجعل أفعال العباد فعلا لله ، ولم يقل : هي فعلهم - في المشهور عنه - الأشعري . إلا على وجه المجاز بل قال : هي كسبهم ، فسر الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونا بها " . وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام وقالوا : عجائب الكلام ثلاثة : طفرة النظام ، وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وأنشد في ذلك : مما يقال ولا حقيقة تحته . . . معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عن‍ . . . - د البهشمي وطفرة النظام ( 2 ) زيادة من منهاج السنة ( 2 / 297 ) . ( 3 ) عبد السلام بن محمد الجبائي وهو ابن أبي على الجبائي من رؤوس المعتزلة وتنسب إلى أبي هاشم الطائفة البهشمية من المعتزلة توفي سنة 321 ه‍ وهو من معتزلة البصرة . وأكثر المعتزلة اليوم على مذهبه لأن ابن عباد كان يدعو إلى مذهبه ولهم ضلالات وجهالات كثيرة . منها قوله بالأحوال : أن العالم له حال يفارق به من ليس بعالم وللقادر حال به يفارق حال العالم ثم كان يقول : إن الحال ليست بموجودة ولا معدومة ولا مجهولة . . . . . . " . وكذلك أن الباري عز وجل هو عالم لذاته . بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا . وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ، ولا معلومة ولا مجهولة أي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات . الملل والنحل ( 1 / 92 ) والتبصير في الدين ص 87 . ( 4 ) النظام : هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هائي النظام وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف وعنه أخذ الاعتزال وهو شيخ أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ . توفي سنة 221 ه‍ وقالت المعتزلة إنما سمي نظاما لأنه كان حسن الكلام في النظم والشعر وليس كذلك وإنما سمي - النظام - لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ويبيعها وكان في حداثة سنه يصحب الوثنية والسمنية الذين يقولون بتكافئ الأدلة وفي كهولته كان يصحب الملاحدة من الفلاسفة . الطفرة : لغة : الوثبة مختار الصحاح ( ص 394 ) . وقوله - النظام - بالطفرة ذلك بانقسام كل جزء لا إلى نهاية أي أن أجزاء الجزء لا تتناهى . وكلمه أبو الهذيل في هذه المسألة فقال : لو كان كل جزء من الجسم لا نهاية له لكانت النملة إذا دبت على البقلة لا تنتهي إلى طرفها ، فقال : إنها تطفر بعضا ، وتقطع بعضا ، وهذا كلام منه لا يقبله عقول العقلاء لأن مالا يتناهى كيف يمكن قطعه بالطفرة . فصار قوله هذا مثلا سائرا يضرب لكل من تكلم بكلام لا تحقيق له ولا يتقرر في العقل معناه . التبصير في الدين ( ص 71 ) الملل والنحل ( 67 - 70 ) .